اسلام اونلاين - فتحي عبد الستار
حفلت وسائل الإعلام المختلفة في الآونة الأخيرة برصد كثير من ردود الأفعال، والمقالات التحليلية، والحوارات والنقاشات التي استهدفت النظر في حقيقة وأسباب ومآلات الأزمة التي مر أو ما زال يمر بها مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين.
وبصرف النظر عن موضوع الأزمة، فقد جاءت هذه التناولات في معظمها خالية – إلا من إشارات عابرة - من بحث موقف القواعد الإخوانية من الأزمة، وصبت جل اهتمامها على مواقف المرشد وأعضاء المكتب.
وقد تكون الثقافة التي رسخها الإخوان عند الكتاب والصحفيين قد ساعدت على تجاهل مواقف القواعد الإخوانية، على أساس أن تلك القواعد شديدة الارتباط والتبعية لقياداتها، وأنها في مثل تلك القضايا التي تتعلق بمكتب الإرشاد وما يحدث فيه، وسلوك القيادات - لاسيما التاريخية منها - قد توافقَ أفراد الإخوان وتعارفوا فيما بينهم عبر مفاهيم "الثقة" و"الطاعة" على ترك ما للقيادة للقيادة وما للصف للصف، وهو أمر وإن بدا في ظاهره أمرًا إيجابيًّا قد يُحسَب للجماعة، ويثير الإعجاب بتماسكها وتعاضد أفرادها، إلا أنه عندما يتحول إلى صورة من السلبية واللامبالاة، يكون الأمر مختلفًا، ويكون الحكم على هذا الموقف بحسب عقلية الرائي ونظرته للأمور، بين من يرى هذا علامة قوة وتماسك، وبين من يراه غير ذلك.
خلف درع الثقة
الصنف الأول من القواعد - كما هو دائمًا فيما يتعلق بهذه القضايا - يؤثر السلامة، ويتحصن خلف درع "الثقة"، ولا يريد أن يُعمِل عقله وفكره في مثل هذه الأمور، وهو بذلك يرفع القادة عمليًّا - وإن أنكر هذا نظريًّا - إلى رتبة العصمة ومصاف الأنبياء، حيث ينفي عنهم – بمواقفه - كل خطأ، ويرد عنهم كل شائبة، "إن كانوا قد قالوا فقد صدقوا، وإن كانوا قد فعلوا فقد أصابوا"!! وهو ما لم يحزه أحد عبر التاريخ الإسلامي بعد النبي صلى الله عليه وسلم، حتى هو صلوات الله وسلامه عليه كان يسمح بالاختلاف، ويسمع للآراء، بل ويطلبها "أشيروا عليَّ أيها الناس"، ويأخذ بالشورى.
والحق أن النظر في المواقف الظاهرة للقيادات، والاختلاف معها، لا يتعارض أبدًا مع حسن الظن بهم، والثقة فيهم، ولكن في حدود بشريتهم، وجواز الخطأ والصواب عليهم، وإلا فكيف نطبق نصوصًا شرعية على شاكلة: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"، و"الدين النصيحة .. لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم"؟!!.
وكيف تعتب الجماعة على عوام الناس انصرافهم عن الشأن العام في بلادهم، وإعراضهم عن مراقبة الحكام وأفعالهم، وتطالبهم بالإيجابية والتحرك لإصلاح ما يكون من أخطاء وسلبيات، وهي لا تطبق هذا في أمورها الداخلية بين القيادات والأفراد، لا سيما أن الواقع السياسي في مصر يطرحها بديلاً للنظام للقائم، أو على الأقل بوصفها داعية بالإصلاح.
هذا الصنف من القواعد هم ممن ضعفت علاقاتهم بوسائل الإعلام والاتصال، وينظرون إليها نظرة شك واتهام على الدوام، ويعتبرون الإعلام الرسمي للجماعة المتمثل في موقعها على الإنترنت هو المصدر الإعلامي الوحيد الذي يمكن الثقة به والأخذ عنه، إلى جانب ما يرد إليهم عبر قياداتهم المباشرة، ويقاطعون ما سوى ذلك من مصادر.
ونجدهم – كدأبهم دومًا – ينزلون النصوص الشرعية في غير منازلها، فيخلطون بين مناقشة هذه الأحداث والحديث حولها، وبين حادثة الإفك وأشباهها وما نزل فيها من نصوص شرعية ينزلونها على تلك الأحداث وأية أحداث مشابهة (لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ)!!.
ولا شك أننا قد نعطيهم بعض الحق في ظل حالة التربص الأمني والإعلامي بالجماعة، لكن هذا لا يعني المقاطعة وصم الآذان عما ينشر ويقال، خاصة عندما يبدو في الأفق ملامح صدقه، كيف وقد "قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي".
إعلام الإخوان الرسمي
قد نلتمس العذر لهؤلاء، ونقر لهم بإخلاصهم ونقاء سريرتهم، فهم بعيدون عما يجري في تلك الحلقات العليا من التنظيم، ولا يرون كثيرًا مما يرى بعض إخوانهم ممن تسمح لهم مواقعهم بالاطلاع على كثير من التفاصيل، وهم ما زالوا لا يدرون بما حدث ويحدث في الوسط الإعلامي الإخواني من أمور عليها قدر كبير من التحفظ والعتب من الناحية المهنية، نفَّرت كثيرًا ممن نحسبهم مخلصين من الإخوان الذين تتحرق قلوبهم حبًّا للدعوة وحرصًا عليها، وأبعدتهم عن المشاركة والإصلاح لهذا الملف.
ونتيجة لهذا المناخ وجدنا القائمين على الموقع يستخدمون خلال الأزمة مفردات وعبارات ذكرتنا بإعلام "النكسة"، وشعارات ثورة يوليو، مثل "شائعات تكذبها حقائق"، و"بالصور نرد على شائعة استقالة المرشد"، تلك الشعارات والمفردات التي كان ولا زال أصحاب هذا التوجه أنفسهم يسخرون منها ويتهكمون عليها، باعتبارها علمًا على ثقافة "النكسة" وإعلام "الهزيمة"، فما بالهم يستخدمونها، ويقبلون ترويجها، وهم من نفترض فيهم الأمانة والعدالة والمهنية؟!!.
إن ذلك الموقع الذي لا تضم زاوية "أخبار الجماعة" فيه إلا أنباء الاعتقالات وتجديد الحبس، واستقبالات المرشد ووداعاته وتهانيه وتعازيه، كأي باب اجتماعيات في جريدة قومية!! خلا بالمقابل من إبراز الأخبار الحقيقية التي يود الإخوان وغيرهم معرفتها، ولا ينشر إلا من الآراء إلا ما يوافق رؤية الإخوان المتحكمين فيه، لا ينطبق هذا على المقالات والأخبار فقط، بل حتى على مستوى تعليقات القراء على المواد المنشورة، مهما بلغت درجة موضوعيتها، ولا ينسون وهم يفعلون هذا أن يتباكوا على الحريات المفقودة، ويطالبوا بنزاهة الإعلام!!.
وأصبح الموقع على هذه الصورة كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، ووجد بعض من ينصِّبون أنفسهم أوصياء على فكر الإخوان وعلى ما ينبغي أن يعرفوه وما لا ينبغي.
ولا شك أن هذا الجو من التخبط وعدم الشفافية يسمح بترعرع الشائعات لا القضاء عليها، ويؤدي إلى قيل وقال، وهو ما بدأنا نلحظه إبان الأزمة وبعدها.
ودعوني أتساءل: كيف تحاور وسائل الإعلام غير الإخوانية غير واحد من أعضاء مكتب الإرشاد، وتبرز تصريحاتهم حول الأزمة، دون أن يشير الموقع الرسمي لهذه التصريحات لا بالإثبات ولا بالنفي، ولا حتى بالإشارة، كما يفعلون مع بعض التصريحات التي تروق لهم، ألم يكن أولى أن يسعى القائمون على هذا الموقع - وما أسهل ذلك عليهم إن أرادوا – إلى محاورة أطراف الأزمة وإبراز الرأي والرأي الآخر، لتأكيد الشفافية والمصداقية؟!!.
وحتى الآن ما زال موقف مكتب الإرشاد غامضًا ومحيرًا تجاه هذا الملف الذي كثر الحديث واللغط حوله، ولعل الحديث عن هذا الملف يستحق الإفراد في كتابات قادمة بإذن الله.
حانق مترقب
أما الصنف الثاني من قواعد الإخوان، فهم الذين امتلأت نفوسهم حنقًا على مثل هذه التصرفات والقائمين بها من القيادات العليا والوسيطة، وقد نكأت هذه الحادثة جروحًا غائرة لديهم، فهم وإن كانوا لم يفارقوا التنظيم بشكل واضح إلا أنهم انفصلوا شعوريًّا عنه، وغلَّفت الانفعالية والعشوائية والعاطفة السلبية تعليقاتهم ومواقفهم، حيث لم يعد هؤلاء يرون أملاً في الإصلاح والتغيير، إلا بالحل السلبي، وهو ذهاب هؤلاء القيادات، إما عن طريق الانتخابات، أو التعويل على عنصر الزمن.
وإن كنت أرى أن مجرد الانتخابات أو الزمن القريب، لن يحققا آمال هؤلاء، حيث إن المتأمل في أجواء الصف وأنماط القواعد ووسائل التربية المعتمدة التي تخرِّج القيادات الدنيا والوسيطة ومن ثم العليا يرى أن الكفة تميل بقوة إلى تكريس مفاهيم الصنف الأول الذي تحدثنا عنه آنفًا، وما دمنا قد ارتضينا الشورى منهجًا، فعلينا أن نقبل نتائجها، ونعترف بمن تأتي به، ونسعى للإصلاح بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، وتغيير المفاهيم بالحجج المقنعة.
أقول هذا مع تحفظي على مصطلحي "الإصلاحيين" و"المحافظين"، حيث أثبتهما في السياق الذي عُرفا به في الشارع السياسي، وأنكرهما في سياق الإصلاح الذي هو ضد الإفساد، حيث لا أعتقد أن هناك أحدًا داخل الجماعة – مهما بلغت درجة اختلافنا في وجهات النظر معه – يسعى إلى الإفساد، إنما هي اجتهادات، ونسأل الله إصلاح السرائر والبواطن وإخلاص النيات.
نافذة ضوء
يبقى صنف ثالث، هو وسط بين هؤلاء وأولئك، حيث لم ينزع ربقة الثقة بالقيادة من عنقه، بل أكد على ثقته وحسن ظنه بها، معلنًًا التشرف بالانتساب لهذا الكيان، وحرصه على قوته وتماسكه ووحدته، إلا أنه لم يُخفِ خشيته من أن تؤدي مثل هذه الأحداث لنماذج قاسية مرت بها بعض التنظيمات القطرية، فطالب بإحداث المراجعة الشاملة للوائح والمفاهيم، ودعا إلى ضبط التصريحات الإعلامية للقيادات والرموز.
وقد طرح هذا الصنف من القواعد مبادرة تبناها نشطاؤه، بتدشين مؤتمر إلكتروني مفتوح لجميع أفراد الجماعة – وخاصة الشباب - يناقش أهم الملفات والقضايا التي تهم الدعوة، ويقدم رؤى وتصورات تهدف للإصلاح والتطوير.
ومن الجدير الإشارة إلى ما يعانيه هذا الفريق على يد بعض إخوانهم، وما يلاقونه من اتهامات وإساءة ظن، ومحاولة للعزل والتجنيب، وهو لا شك صنف من أصناف البلاء يجب أن يصبر عليه هؤلاء إن خلصت نياتهم وأرادوا تغييرًا حقيقيًّا، فليعفوا عمن ظلمهم أو أساء إليهم، وليصلوا من قطعهم، وليعطفوا على أخطاء إخوانهم، فمن أولى بالصبر عليه من إخوانك؟!! ولا يفعلوا هذا من منطلق إثبات حسن نواياهم للبشر، وإنما إعذارًا لله عز وجل، وطمعًا في رؤية ناموس الله عز وجل يتحقق: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ).
وتبقى الكرة في ملعب القيادة العليا للجماعة، التي مطلوب منها أن توسع صدرها أكثر وأكثر لمثل هذه المبادرات، تلقيًا ومناقشة وتقبلاً.
على أية حال، يظل الاختلاف ناموسًا ربانيًّا في بني البشر بجميع توجهاتهم وأطيافهم، كيف لا وربنا يقول: (ولَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ولا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ . إلا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ)، ونحن بأيدينا نستطيع أن نستثمر وجود هذا الاختلاف الحتمي في تلاقح الأفكار والوصول إلى أفضل ما يمكن من أفكار وتوجهات، وبأيدينا أيضًا قد نجعله وقودًا للفرقة والتشرذم.